حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

440

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

وتثبتون على ما أنتم عليه من أداء حقوق الطاعة وتسلمون لأمر اللّه وحكمه ، أم تنقلبون على أعقابكم وتظهرون الجزع على استرداد ما يدكم فيه يد المستعير ؟ أمر أولا بالشكر على إكمال الشرائع ، ثم بالصبر على التكاليف الدينية ، ثم حض على التثبت عند طروق النوائب وبروق المصائب ، ومعنى بِشَيْءٍ بيان من هذه الأشياء وأيضا لو قال « بأشياء » لأوهم أن من كل واحد من الخوف وغيره ضروبا وليس بمراد . وفيه أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل ففوقه ما يقل هو بالنسبة إليه ، وفيه أن رحمته معهم في كل حال لا تزايلهم . واعلم أن كل ما يلاقيك من مكروه ومحبوب فإذا خطر ببالك وهو قد مضى سمي ذكرا وتذكرا ، وإن كان في الحال سمي ذوقا ووجدا لأنها حالة تجدها من نفسك ، وإن تعلق بالاستقبال وغلب خطوره على قلبك سمي انتظارا وتوقعا ، فإن كان المنتظر مكروها حصل منه ألم في القلب يسمى خوفا وإشفاقا ، وإن كان محبوبا سمي ذلك ارتياحا والارتياح رجاء . وأما الجوع فالمراد منه القحط وتعذر تحصيل القوت . عن عطاء والربيع بن أنس : أن المراد بهذه المخاطبة أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد الهجرة وقد حصل لهم عند مكاشفة العرب خوف شديد بسبب الدين ، فكانوا لا يأمنون قصدهم إياهم واجتماعهم عليهم وقد كان من الخوف في وقعة الأحزاب ما كان هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً [ الأحزاب : 11 ] وأما الجوع فقد أصابهم في أول مهاجرة النبي إلى المدينة لقلة أموالهم حتى إنه صلى اللّه عليه وسلم كان يشد الحجر على بطنه . وقد روي أنه صلى اللّه عليه وسلم خرج ذات يوم فالتقى مع أبي بكر فقال : ما أخرجك ؟ قال : الجوع . قال : أخرجني ما أخرجك وكانوا ينفقون أموالهم في الاستعداد للجهاد ثم يقتلون . فهناك يحصل النقص في المال والنفس ، وقد يحصل الجوع في سفر الجهاد عند فناء الزاد ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلى قوله إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ [ التوبة : 120 ] وقد يكون النقص في النفس بموت الإخوان والأخدان . وإما نقص الثمرات فقد يكون بالجدوب وقد يكون بترك عمارة الضياع للاشتغال بالجهاد . وعن الشافعي : الخوف خوف اللّه ، والجوع صيام شهر رمضان ، والنقص من الأموال الزكوات والصدقات ، ومن الأنفس الأمراض ، ومن الثمرات موت الأولاد . قال صلى اللّه عليه وسلم « إذا مات ولد العبد قال اللّه تعالى للملائكة أقبضتم ولد عبدي ؟ فيقولون : نعم . فيقول : أقبضتم ثمرة قلبه ؟ فيقولون : نعم . فيقول اللّه تعالى : ما ذا قال عبدي ؟ فيقولون : حمدك واسترجع فيقول اللّه : « ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد » « 1 »

--> ( 1 ) رواه الترمذي في كتاب الجنائز باب 36 .